مقدمه
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيــــد
في هذه الأيام المباركة يأتي الناس من كل مكان إلى بيت الله
الحرام لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام, قال الله تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج
عميق)
دعاء السفر
* «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر»
]سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون[ «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى،
ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطوِ عنّا بعده، اللهم أنت
الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة
المنظر، وسوء المنقلب: في المال، والأهل..».
* وإذا رجع من سفره قالهن وزاد عليهن: «آيبون، تائبون عابدون،
لربنا حامدون.
في البداية
أخي المسلم اعلم أنَّ العمل لا يُقبل إلاَّ
بشرطين هما: الإخلاص لله تبارك وتعالى، والاتباع لرسوله r.
قال تعالى: }فمن كان يرجوا لقاء ربه
فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً{ [سورة الكهف].
وقال رسول الله r: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ
ما نوى».. الحديث، رواه البخاري ومسلم.
وقال رسولنا r: «من عمِلَ عملاً ليسَ عليه أمرُنا فهو
رد». رواه مسلم «أي مردود
عليه».
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «تركتُ
فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي». حديث
حسن أخرجه الحاكم، والبيهقي.
وبعدُ، فاحمد الله تعالى أخي الحاج أن أعانك ووفقك ويسر لك
الأسباب للوصول إلى الأماكن المقدسة، التي هي أحب البقاع إلى الله عز وجل- فاستشعر
ذلك -.
}ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب{ ولقد اجتمع لك شرف الزمان وشرف المكان.
الحج المبرور
قال رسول الله r: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
[متفق عليه].
أخي الحاج: وفقك الله إلى كل خير.
هل تريد أن يكون حجك مبروراً؟!
إذن ضع نصب عينيك
هذين السؤالين عازماً على أن يكون الجواب منك جواباً عملياً!
أولاً:
كيف يكون حجك موافقاً لهدي النبي r ؟
ثانياً:
كيف تحافظ عليه حتى يقبل منك ولا يحبط؟
ربما تعجبت من هذه المقدمة!!
أقول:
لأننا رأينا كثيرا من الحجاج إذا أحرموا بالحج لا يستشعرون أنهم تلبسوا بعبادة
تفرض عليهم اجتناب ما حرّم الله، والحرص على معرفة هدي نبينا محمد r في الحج بالأدلة الصحيحة الثابتة، فتجد أن أكثرهم (لم يتغير من سلوكهم
المنحرف قبل الحج شيء، وذلك دليل عملي منهم على أن حجهم ليس كاملاً، إن لم يكن غير
مقبول) .
والعياذ بالله .
ولذا فإن هناك أموراً لا بد لك من معرفتها والعمل
بها، وهي كما يلي:
التوحيد أولاً
«لبيك لا شريك لك لبيك».
جئت أخي الحاج ملبياً بالتوحيد.
لذا فاعلم وفقك الله أنه لا بد من تحقيق معنى هذه التلبية في
أقوالك وأعمالك، قلبية كانت أو بدنية، حيث إنه يستلزم عليك تعظيم الخالق بجميع
التعظيمات اللائقة به وتعلق القلب به، وصرف جميع أنواع العبادات إليه سواء كانت:
قلبيبة: كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة ونحوها.
أو قولية: كالذكر والدعاء والاستعانة والاستغاثة.
أو بدنية: كالركوع والسجود والطواف ونحوه.
أو مالية: كالذبح والنذر والصدقة ... وغير ذلك.
لقوله تعالى: ] قل إن صلاتي ونسكي ومحياي
ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [ [سورة الأنعام: 162-163].
وقال الله تعالى: }فليعبدوا رب هذا البيت{ [سورة قريش].
انظر إلى أمر الله في هذه الآية حيث قال: }فليعبدوا رب هذا البيت{ ولم يقل: (فليعبدوا
هذا البيت).
وقال الله عز وجل على لسان رسوله r:
}إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون
من المسلمين{ [سورة النمل: 91].
}وأمرت أن أكون من المسلمين{
أي الموحدين المخلصين الممتثلين لأمره والمجتنبين لنهيه.
فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الذل والانكسار والافتقار
إليه سبحانه وتعالى.
قال ابن القيم رحمه الله : (وأقرب باب يدخل منه العبد على الله
تعالى هو الإفلاس، فلا يرى لنفسه حالاً، ولا مقاماً، ولا سبباً يتعلق به، ولا
وسيلة منه يمن بها، بل يدخل على الله – تعالى – من باب الافتقار الصرف، والإفلاس
المحض، دخول من قد كسر الفقرُ والمسكنةً قُلبه ..).
واعلم أن من تعظيم الله تعالى وإجلاله تعظيم أمره ونهيه، والله
تعالى يقول في سياق آيات الحج: }الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في
الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فـإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولى
الألباب{.
إن الله عز وجل نهاك عن أشياء ثلاثة: الرفث،
والفسوق،
والجدال،
ثم أمرك بالتقوى؛ فاحرص يا أخي المسلم على اجتناب ما نهيت عنه، وفعل ما أمرتُ به
فإن فعلت فأنت الموفق.
واعلم – وفقك الله لطاعته – أنه ينبغي عليك أن تقوم بأداء
شعائر الحج على سبيل التعظيم والإجلال والمحبة والافتقار والخضوع لله رب العالمين.
قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: من أبى أن يعبد الله فهو
مستكبر، ومن عَبَدَ الله وعَبَدَ معه غيره فهو مشركٌ، ومن عَبَدَ الله وحده بغير
ما شَرَعَ فهو مبتدعٌ، ومن عَبَدَ الله وحده بما شرع فهو المؤمن الموحِّد.
فإنه لا ينفع حج من يدعو ويستغيث بغير الله، لعدم تحقيق
التوحيد.
ثانياً: إقامة الصلاة
قال الله تعالى: }وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة
ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة{ [سورة البينة].
وقال الله تعالى: }قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة{
[سورة إبراهيم: 31].
فالصلاة هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين.
وهي أشهر معالم التوحيد، كما أنها فرقانٌ بين الإسلام والكفر
وهي عمود الدين وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة فلا يقبل من العبد زكاة ولا
صوم ولا حج ولا بر ولا صدقة حتى يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها مستوفياً لشروطها
وأركانها وواجباتها.
قال الله تعالى: }وما منعهم أن تقبل منهم
نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون
إلا وهم كارهون{ [سورة التوبة: 54 وقال النبي صل الله عليه وسلم:
«بين الرجل وبين
الكفر والشرك ترك الصلاة».
فالواجب على كل مسلم ومسلمة المحافظة على الصلوات الخمس وتعلم
كيفية صلاة النبي عليه الصلاة والسلام لأمره عليه الصلاة والسلام بذلك في قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
ويجتهد على نفسه فيها بتحقيق الخشوع وحضور القلب.
لقول الله تعالى: }قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون{ [سورة
المؤمنون].
وتأمل قوله عليه الصلاة والسلام: «يا
بلالُ! أرحنا بالصلاة».
وقوله : «وجُعلَتْ قرّة عيني في
الصلاة».
وقول النبي r: «إن العبد ليصلي الصلاة ما يكتب له منها
إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها».
(وكان العلماء السابقون من السلف الصالح يجعلون معيار من يؤخذ
عنه العلم تمسكه بالسنة وخاصة في صلاته.
قال إبراهيم النخعي – رحمه الله-: «كانوا إذا أتوا الرجل
يأخذون عنه العلم: نظروا إلى صلاته، وإلى سنته، وإلى هيئته ثم يأخذون عنه».
وقال أبو العالية : «كنا نأتي الرجل لنأخذ عنه فننظر إذا صلى:
فإن أحسنها جلسنا إليه وقلنا: هو لغيرها أحسن، وإن أساءها قمنا عنه، وقلنا: هو
لغيرها أسوأ».
ثالثاً: الطيبات من الرزق
فأفضل ما أنفقت فيه الأموال، إنفاقها في الوصول إلى المحبوب
وإلى ما يحبه المحبوب، فكيف وهو سبحانه الغني الحميد قد وعدنا بإخلاف النفقة
والبركة في الرزق.
قال الله تعالى: }وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين{ [سبأ: 39
وإنفاقها في زيارة المسجد الحرام الذي هو أول بيت وضع للناس
والصلاة فيه التي تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد والتشرف بالطواف فيه
امتثالاً لقوله تعالى: }وليطوفوا بالبيت العتيق{ [سورة الحج: 39]. هو من خير ما أنفقت فيه الأموال وفرغت من أجله الأوقات، ولكن تعلم أن ذلك مشروط بالنفقة والكسب
الحلال لقول النبي r: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر
المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: }يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني
بما تعملون عليم{ [سورة المؤمنون: 51].
وقال الله تعالى: }يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم
إياه تعبدون{ [سورة البقرة: 172].
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى
السماء، يا رب، يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى
يستجاب له».
ومعنى الحديث أن الله تعالى سبحانه جل جلاله مقدس منزه عن
النقائص والعيوب فهو لا يقبل إلا الطيب من الأعمال وهو ما كان خالياً من المفسدات،
كالرياء، والسمعة، والعجب، وسائر أنواع الشرك.
ولا يقبل من الصدقات إلا ما كان من مال طيب حلال، ولا يقبل من
الأقوال إلا ما كان طيباً.
وجاء في حديث التشهد: «التحيات لله،
والصلوات، والطيبات».
ومعنى «الطيبات» أن الله طيب
في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله، وأنه لا يليق به إلا الطيب من الأقوال والأفعال
الصادرة من الخلق.
فتنبه لذلك وتدبر وأنت تقول التحيات كل يوم تسع مرات أو أكثر.
رابعاً: حسن الخلق
أخي المسلم: اعلم أن لك في حسن الأخلاق، والإحسان إلى الحجاج،
وسقايتهم، وعدم مضايقتهم، والتواضع لهم الأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى.
حيث قال جل جلاله: }واخفض جناحك للمؤمنين{. [سورة الحجر: 88].
وفي الحديث المتفق عليه: «إنّ من
خياركم أحسنكم أخلاقاً».
وقال رسول الله r:
«أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله
على مسلم، أو تكشف عنه كربةً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع
أخي المسلم في حاجة أحب ألي من أن أعتكف في هذا المسجد – مسجد المدينة – شهراً،
ومن كف غضبه سترالله عورته، ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه
رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى
قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخُلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل».
خامساً: الصبر والاحتساب
أخي الحاج الكريم: تذكر قوله عليه الصلاة والسلام عن الحج
والعمرة بأنهما: «جهاد لا قتال فيه» وأن الحج مدرسة للأخلاق، وتهذيب للنفوس، وسمو بها إلى أعلى المقامات، وهو اختبار
عملي للصبر والأخلاق، فلربما مرضت أو تعبت أثناء تنقلك بين المشاعر، أو ربما فقدت شيئا عزيزاً عليك، أو سمعت خبرا مزعجاً، أو
ربما أحسنت فأسيء إليك، أو أصابك الهم والحزن لأي من الأسباب، أو ربما ضاع مالك أو
سرق – بإهمال منك أو من غير إهمال – لذا عليك أن تعلم بأن هذا كله ابتلاء من الله
تعالى ليمتحن صبرك وثباتك وصدقك أو لحكمة أخرى أرادها الله سبحانه؛ لذا أوصيك هنا
بوصايا:
أولاً: الصبر! الصبر! الصبر! وأكثر من قول: «قدّر الله وما شاء فعل» واحذر من أن تقول: لو أني فعلت
كذا لكان كذا وكذا ولكن أكثر من الاسترجاع وتذكر قول الله عز وجل: }ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر
الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم
صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون{
[سورة البقرة: 155-156].
ثانياً: اعلم: «إن لكل
شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه».
بل من عقيدتنا الإيمان بقضاء الله وقدره خيره وشره، وأن الله
عز وجل لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ثالثاً: أحسن الظن بالله عز وجل، وأنه سيعوضك
خيرا كثيراً؛ فإن رسول الله r يقول في الحديث
القدسي فيما يرويه عن ربه أنه تعالى قال: «أنا عند ظن
عبدي بي فليظن بي ما شاء» الحديث. ويقول الرسول r: «عجباً لأمر
المؤمن أن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً
له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».

تعليقات
إرسال تعليق